سفيان الرتبي @SOUFIAN

2018-02-09 00:08:49 للعموم

الرغبة والسعادة

إنّ اختلاف المذاهب الفكريّة والفلسفيّة منذ الإغريق وحتى العصور الحديثة يؤدي إلى الاختلاف في النظر المفاهيم المتنوّعة والتي منها مفهومي الرغبة و السعادة، فمنهم من يروها في الذات الحسيّة، والبعض يروها في التفكير والوعي العقليّ، ومنهم من يجدهم في الحس والفكر معاً، إذن فإن كل فصل إنساني يكون موجها بغاية تحصيل السعادة وهذا ما سنحاول أن نبرزه في هذا المقال المتواضع الذي من خلاله سنتطرق إلى آراء بعض الفلسفة العظماء في نظرهم إلى مفهوم الرغبة و السعادة والعلاقة التي تجمع بينهما،ومن هذا المنطلق،يحق لنا أن نطرح الإشكال التالي: كيف تتحقق السعادة الإنسان، هل من خلال إشباع رغباته أم انه يمكن أن يكون سعيدا بدون إشباعها ؟

إن الإنسان بفطرته إنسان راغب، وتُشكّل الرغبة لديه خاصيّة جوهريّة فيه، فتُعرّف الرغبة على أنّها ميل الشخص نحو الحصول على أمرٍ يفتقده الفرد في وضعه الراهن، أو الرّغبة في تخلّصه من أمرٍ يمتلكه، فيثير هذا التعريف للرغبة عدداً من التساؤلات الإشكاليّة، من ضمنها تلك التساؤلات التي تتعلّق بعلاقة الرغبة كمفهومٍ مع عددٍ من المفاهيم الأخرى كالسعادة،إذ يختلف الناس في تمثلهم لهذه الأخيرة بين من يقصرها على حسن العيش، من حياة مرفهة، وامتلاك للأموال والثروات، وتلبية كاملة للرغبات، وتشيع لها، وتحقيق للذة والمتعة في مختلف أشكالها وتجلياتها، وهناك من يقصرها على حسن السيرة من حياة كريمة ومعتدلة ومنسجمة، وقد نجد الاختلاف بين الأفراد، فالمريض يرى السعادة في الصحة، والفقير يراها في المال، والوحيد يراها في الأنس والصداقة.أول ما يبرز هنا ، هو تلك الرغبة في السعادة لدى كل واحد منا ، ليس فقط لأن الرغبة تشكل ماهية الإنسان كما يقول اسبينوزا ، بل لأن السعادة هي ما نرغب فيه بإطلاق كما أكد أرسطو في كتابه « الأخلاق إلى نيقوماخوس « . لكن كل رغبة هي تعبير عن فقدان ، وحين يكون المرء فاقدا للشيء فإنه يشعر بالألم .

لقد دلت الرغبة في دلالتها المعجمية، على الحرص والطمع في الشيء والإرادة، كما تحيل إلى الترك والزهد في الشيء، أو الطموح والفضول، إن تعدد هذه المفاهيم الدالة على الرغبة يؤكد التباس المفهوم وتشعب معانيه، أما الدلالة الفلسفية عند لالاند في معجمه الفلسفي فمضمونها أن الرغبة ميل عفوي نحو غاية معلومة أو متخيلة،بينما السعادة،هي حالة رضى تام تستأثر بمجامع الوعي.

لقد تطرق إلى هذا الإشكال العديد من الفلاسفة،ومع تشبع الأراء والأفكار حول العلاقة بين الرغبة والسعادة،برزت لنا مواقف من بينها إسلامية،وفي هذا صدد،لا يمكننا أن نمر مرور الكرام دون استحضار الفيلسوف اليوناني '' أبيقور ''،فد حدد غاية الحياة السعيدة هي اللذة فهي الخير الأسمى وهي أصل كل فعل أخلاقي يتجه نحو تحصيل اللذة وتجنب الألم وليس إتباع الخير لأجل الخير أو فضيلة لأجل الفضيلة سوى وهم إذ أن الإنسان حسب ابيقور هو جسد ونفس وان سعادته تكمن في تحقيق الخير الملائم لطبيعة كليهما .والخير الملائم لطبيعة الجسد هو اللذة أما الخير الملائم لطبيعة النفس فهي الطمأنينة.

وفي نفس العصر ألا هو اليوناني يرى الفيلسوف '' أرسطو '' أنَّ السعادة ترتبط بتحقيق غاية الخير، حيثُ تتحدد باللذة، وهي الفضيلة التي تقود الفرد إلى السَّعادة بقوىً إراديّة من خلال إتباع الاختيار الذي يدفعه إلى التأمل، وأكد أرسطو أن السعادة الحقيقية تتحول إلى العشق الميتافيزيقي وإلى السعادة الفكريّة والروحيّة، ويرى بأنّ السعادة عبارة عن مسألة جماعيّة وليست فرديّة، ولكل شيء غاية، وغاية السياسة هي السعادة، ويقترح منهجاً تركيبيّاً نسبياً ومطلقاً يؤدي للوصول إلى الخير الأسمى والأكبر؛ لذلك يصنف أرسطو السعادة إلى أنواع وهي: السعادة المرتبطة باللذة الحسيّة وتكون في نظره عند السواد الأعظم من الإنسان الأكثر غلظة وقساوة، والنوع الآخر هو السعادة المرتبطة بالشرف والتشريفات وتوجد عند الطائفة السياسيّة، والنوع الأخير هو الذي يقيم السعادة على أساس من التأمل، كما ويرى أرسطو صعوبة الإقرار بمدى سعادة الفرد بعد موته، لأنّ ذريته وسلالته قد تشقى بعد موته؛ لذا فالسعادة مسألة حكمة وتريّث، ومسألة عقل وفكر خاصة في الجانب المتعقّل من الفرد.،وقد نجد رأي الفيلسوف الفرنسي '' ررنيه ديكارت '' يتماشى مع طرح اليونانيين إذ يرى في هذا الصدد : أن الرغبة بالفعل تحقق السعادة للإنسان، ذلك أن الطبيعة الإنسانية مهيأة للتمتع بما هو ملذ وممتع، وهذا يخلق للذات نوعا من البهجة، وتكون هذه البهجة في أرقى صورها بالنسبة للمحب، الذي يحب شخصا ما شعر نحوه بكل الميل.

لكل إنسان القدرة على فهم نفسه ولو بشكل جزئي. حينما يتحكم العقل في الرغبات والشهوات فإنه يحد من الإفراط فيها. فليس هناك سوى شهوة واحدة يكون الإنسان بموجبها إما فاعلا متعقلا وأخلاقيا، أو منفعلا متهورا ومندفعا ومزهوا بنفسه،هذا ما جعل الفيلسوف '' سبيينوزا '' يرى أن ليس للإنسان من قدرة سوى الذهن والعقل من أجل فهم رغباته وانفعالاته وعواطفه والتحكم فيها. فالإنسان إما منفعلا خاضعا لشهواته ومزهوا بنفسه، وفي ذلك شقاؤه، وإما فاعلا متعقلا ومسيطرا على انفعالاته ورغباته، وهذه هي الصبغة الأخلاقية التي تحقق لصاحبها الارتياح والسكينة والسعادة.

وهذا ما نجده عندا الفيلسوف الروماني '' سنكا '' إذ يقدم مجموعة من الشروط الأساسية لتحقيق السعادة، والمتمثلة أساسا في حسن استخدام العقل من أجل إدراك الحقيقة والتصرف وفقا لمبادئ العقل الأخلاقي. كما تتمثل السعادة عنده في السيطرة على الرغبات والتحكم في الملذات الحسية، وعدم المبالغة في التفكير في المستقبل،إذ يستنكر أن يظل الإنسان مسيطرا على نفسه، متعقلا ورزينا، وهو واقع تحت سيطرة أحاسيس الجسد. ومعنى ذلك أن '' سنكا '' يريد أن يثبت أن الاستقامة والرزانة تتجليان في سيطرة العقل على أحاسيس الجسد وانفعالاته.

لم تخلوا الفلسفة الإسلامية من آراء حول الرغبة والسعادة، فنجد الفيلسوف ''' ابن مسكويه ''' يهاجم أولئك الأبيقوريون أي الفلسفة الابيقورية التي جعلت اللذة في منزلة الحكمة، وكذلك كل من يدافع على كون السعادة هي اللذة –الذين يحصلون السعادة في الرغبات البدنية، فاعتبرهم من العامة الرعاع، وجهال الناس السقاط، وفي هذا الصدد يقول ابن مسكويه في كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" (... وظنوا أن جميع قواه الأخرى إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات، والتوصل إليها، وأن النفس الشريفة التي سميناها ناطقة، إنما وهيت له ليرتب بها الأفعال ويميزها، ثم يوجهها نحو هذه اللذات، لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية الجسمانية، وهذا هو رأي الجمهور من العامة الرعاع، وجهال الناس والسقاط ) .

يمكن القول بالتالي أن الاختلاف بين المواقف له منطلقات ونتائج، فالمنطلقات مختلفة في اعتبار الحقيقة الإنسانية، أي الطبيعة الإنسانية، والنتائج بالتالي ستكون متناقضة ومتواجهة وهذا ما عرضناه سلفا. للتفكير بالتالي في السعادة والرغبة بشكل سليم يجب توضيح طبيعة الوجود الإنساني. وفي هذا الإطار سيسهم مفهوم المجتمع في إبراز الطبيعة الاجتماعية بعدما تبين لنا الطبيعة الفردية التي تتميز أساسا بالوعي والرغبة.

تحميل ..