Rachdi Mehrez @rachdimehrez

2016-04-19 22:18:59 للعموم

فائض الحقيقة...فائض المعنى

قبل أن نخوض في معوّقات النّبوّة الشّعريّة، نرتئي النّظر- أصوليّا- في صلة الرّؤيا/ النّبوّة بالصّمت، حتّى يتسنّى لنا تمييز شعريّة الصّمت من شعريّة ما لا ينقال. والرّأي عندنا أنّ النّبوّة لا تتناقض مع الصّمت، بل هي من صميمه.
ذلك أنّ مدخل الإبداع الشّعري قد استوى مع الروّمنطيقيّة مدخلا ذاتيّا، مشدود الأواصر إلى البواطن والأعماق، بما يؤشّر على كون الشّعر الحقّ/ شعر النّفس لم يعد نتاج الوضوح والنّهار، وإنّما نتاج الإلغاز والعتمة (عالم اللّيل).
ومعلوم أنّ العمق الإنسانيّ موسوم بالسّكينة التّامّة والهدوء المطلق عكس ما اشتهرت به الفضاءات العينيّة من ضجيج وازدحام. ولذا ذهب البعض إلى أنّ «الكتب الحقّة لا ينبغي أن تكون من إنتاج الضّوء السّاطع والحديث العابر بل من إنتاج الظّلام والصّمت» ، فالصّمت في هذه الحال لا تستوفيه عبارات العدم والموت والفراغ، بل يقف مدلوله على طرف نقيض من ذلك كلّه، لأنّه يرتبط بالعزلة والوحدة والتّأمّل العميق، وكأنّه معراج روحيّ يعرج بالشّاعر- النّبيّ إلى أصول النّشيد، ولعلّ ذلك ما عناه جبران خليل جبران عندما قال:« منبر الإنسانيّة قلبها الصّامت لا عقلها الثّرثار» ، إذ تبدّى في ملفوظه التّقابل بين القلب والعقل من ناحية، وبين الصّمت والثّرثرة من ناحية أخرى؛ فالصّمت درجة من اللّغة السّامية الّتي لا يدرك مآتيها من استهواه العقل.
وفي هذا السّياق أيضا، اعتبر سارتر «الصّمت لحظة من الكلام» (Le silence est un moment de la parole)، حيث يتمّ إدراك الشّعر، وتحصل ولادته في صمت تأمّلٍ متوحّدٍ، واللّغة الشّعريّة الّتي تحتفظ بأثر هذا الانبثاق المتأنّي والحذر، هي لغة جوهريّة، سرّية ومقدّسة. هذا الصّمت الّذي تتضمّنه الكلمات، يحطّمه الدّال، ويستعيده المدلول، ويرمّم في سيرورة "التجلّي"؛ القراءة. وغالبا ما يكون المنطوق الشّعري والنّبوي صمتا مناهضا للتّقرير الكوني (Universel reportage) الّذي يرهقنا بضجيحه يوميّا. والشّاعرـ النبي - مثله مثل كلّ الأنبياء- يميل إلى العزلة والوحدة، ينزع إلى الصّمت أوان تلقّي الوحي الشّعري خشوعا وإجلالا لمقام الكشف، وقد ورد في الحديث النّبوي «إنّا معشر الأنبياء بِكاء» . ولكأنّ الصّمت تجربة امتلاء بالرّؤى والحدوس والإشراقات، وتكوّر الذّات الشّاعرة على ذاتها تجلي مخبّآتها، وتتفحّص أقاصيها القصيّة، وتقرأ أبجديّتها الملتبسة، وتتدرّب على فكّ مغاليقها؛ ألم يقل علي محمود طه بخصوص الصّمت: (الرّمل)
إِنَّهُ الصَّمْتُ الَّذِي فِي طَيِّهِ ҉-;- أَسْفَرَ المَجْهُول والمَسْتُورُ ذَاعاَ
ففي "السّكون المتنصّت"- والعبارة لنيتشه- يكون الشّاعرـ النّبي في حالةٍ من الصّفاء الرّوحي أشبه ما تكون بالحالة الصّوفيّة، فيها صعود، سفر عموديّ وامتصاص من رحيق الأعماق. أي أنّ النّبوّة مازالت لم تكتمل بعد، فهي في طور الجزر والطّي والتلقّي، ليكون المدّ والنّشر والبثّ تاليًا. وهذه المرحلة الثّانية هي الّتي ستحمل معها المعاناة والاستلاب وتهديد المعنى. ذلك أنّ نبوّة الشّاعر، بارقة منفلتة من الأبعاد، لاتحتويها الأسباب، منشقّة عن ضروب الاستبيان والاستدلال. وحينئذ تطرح إشكاليّة العلاقة بين النّبوّة واللّغة، أي في كيفيّة تصريف ما هو لحظي، فجائي، متزامن شعرًا، وليس خاف أنّ مادّة الشّعر(اللّغة) مادّة نظاميّة مقعّدة؛ خاضعة لتقطيع مزدوج ولمقولات العقل والمنطق. أمّا النّبوة فهي تدفّق المعنى وفيضه سيلًا جارفًا غير متكافئ مع التّمثيلات الرّمزيّة والأشكال التّعبيريّة الّتي أوجدها الإنسان من أجل تمثيل ما يعتمل في ذاته من مشاعر وأحاسيس، وقد جاء على لسان ميخائيل نعيمة في تقديمه لمجموعة جبران خليل جبران: «الفنون الّتي ابتدعها الإنسان حتّى اليوم للتّعبير عن هواجس النّفس لا تزال أضيق من أن تتّسع لكلّ ومضة خيال، ونبضة شوق، ورقّة حنين، ولحظة من تلك النّشوة العلويّة الّتي يحسّها من لمح سناء الحقّ ولو لمحة عابرة» .
فالنّشيد الّذي مصدره يقظة الطّبيعة حيث الأصل والجوهر والمقدّس، فيه من غنى البدايات ما يمنح الشّعراء فائضا من المعنى بالكاد ينقال، وتنشأ من ثمّ مأساة الشّعر وتكون الأزمة.
تحميل ..