سفيان الرتبي @SOUFIAN

2016-07-11 15:25:29 للعموم

محاولة فهم نظرية الفيض ''الفارابي نموذج &#

من أبرز المواضيع الفلسفية التي عرفها الفكر البشري بشكل عام،والفكر الإسلامي بشكل خاص، ودار فيها الخلاف وكانت منطلق لتساؤل الإنسان وشغفه للوصول إلى الحقيقة هي المواضيع التي تتعلق بالوجود،وأصل الموجود، فقد اختلف العلماء والفلاسفة منذ القدم حول الطريقة الأنجع التي يحصل فيها الإنسان على معارفه كما أنهم اختلفوا على درجة صدقها. فهذا القسم من الفلسفة والمسمى بنظرية المعرفة،ومدى ارتباط هذه الأخيرة بمفاهيم الحقيقة والإيمان والتبرير. إلى جانب دراسة وسائل المعرفة المتوفرة لدى الإنسان.
إن الوجود بما هو موجود أي ''الأنطلوجيا ''هو مبحث حاضر بقوة في أذهان الذين يستغلون فكرهم و التنقيب والبحث عن الحقيقة والبحث عن ألم الرأس،وخير دليل هاته المحاولة المتواضعة،قد يعتبرها البعض محاولة إبراز الذات،وقد يعتبرها البعض آخر مجرد كلام ومضيعة الوقت،الكل حر في آرائه،لكن تبقى هذه الأسطر محاولة فهم أحد النظريات.
سأترك جانبا قضية الألوهية وما دار حولها من جدل طويل ومتشعب،وسوف أحاول أن أبادلكم أفكار وهي محاولة فهم وتحليل الصلة التي تربط بين الإلاه والعالم،فقد اختلفت الآراء وتجادلت فيما بينها سواء كانت فلسفية أو فرقة صوفية أو كلامية،من خلال الوقوف على أحد النظريات التي طرحت في ساحة الفكرية ألا هي ‘'نظرية الفيض'' والتي ترجع جذورها إلى الفلسفة اليونانية والمنسوبة لأفلوطين (ملاحظة للذين ليس لهم دراية بالموضوع أفلوطين،ليس هو أفلاطون).
بعدما أردت أن أبحث وأقرأ حول طوائف إسلامية والفِرق الكلامية والفلسفة الإسلامية، كي أعرف أمور تتعلق بمصادر الفكر الإسلامي بصفة عامة،صادفت العديد من الأفكار والأقوال والجدل في المسائل الدينية سوف أخصص لها أسطر في وقت لاحق وما أعجبني الصراعات التي دارت بين الفرق الكلامية وبالأخص آراء وفكر المعتزلة،المهم هذا ليس موضوع الذي أردت أن أتحدث عنه الآن،بل أنا هنا لكي أتحدث عن قضية جاءت في الفكر اليوناني وكما هو موثق أن من بين مصادر الفكر الإسلامي ألا هو الفكر اليوناني،وتبلورت هذه القضية لتصل إلى مفكرين إسلاميين وأخص بذكر 'الفارابي '' وتفسيراته لنظرية '' الفيض ''.
بكل صراحة الإنسان لا يمكنه أن يعلم كل ما يدور في هذا الوجود من مواضيع فلسفية اجتماعية سياسية..وأنا بدوري لم أكن أعلم بهاته النظرية،حتى بحث عنها بحثاً متواضعاً وقرأت عنها، وأصابتني بدوار رأس لما تعقد أفكارها إلى أني حاولت أن أفهم وأنا هنا كي أتقاسم معكم هاته الأفكار.
يقوم تصور الفارابي تصوره لله على دعامتين أساسيتين وهي:
ـــــ واجب الوجود
ـــــ ممكن الوجود
أولاً:واجب الوجود.
هو ما تقتضي ذاته أن يكون موجوداً،أي بمعنى لا يحتاج إلى قوة خارجية أو علة لأن يوجد فهو المصدر الأول لوجود العلل الأخرى ويجسده الفارابي الواجب الأول وهو '' الله '' ،فواجب الوجود ضروري للموجودات جميعاً ولا يمكنه أن تكون تلك الموجودات إلا به(1) الموجود الأول ( الله)هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاء النقص. وكل ما سواه فليس يخلو من أن يكون فيه شيء من أنحاء النقص، إما واحدا وإما أكثر من واحد. وأما الأول فهو خلو من أنحائها كلها، فوجوده أفضل الوجود، وأقدم الوجود، ولا يمكن أن يكون وجود أفضل ولا أقدم من وجوده.(2) إذ يعتبر '' الفارابي '' في هذا الطرح أن الواجب الوجود أي ‘'الله ‘'،ولما كان الممكن أي لابد أن تتقدم عليه علة تخرجه إلى الوجود،أي بتفسير أدق لكل علة معلول،فالعلة هي القوة الفاعلة والمؤثرة في غيرها(الله)، والمعلول هو الأثر المترتب على تلك العلة والناتج عنها(الوجود)،و لكنّ العلّه يمكن أن لا تكون مستغنية بصوره مطلقه، بل هي بدورها محتاجه و معلوله لموجود آخر،ولما كانت العلة تتسلسل إلى غير نهاية،كان لابد من وصول إلى '' موجود الوجوب '' الذي تحدث عنه الفارابي،و سلسله العلل لابدّ أن تنتهي إلي موجود لا يكون في نفسه معلولاً، و كما يصطلحون عليه، بأنّ تسلسل العلل إلي ما لا نهاية، محال. و علي ضوء ذلك يثبت وجود '' واجب الموجود '' ، و أنه العلّه الأولي الموجودة بذاتها، و لا يحتاج في وجوده إلي موجود آخر،وهو علة لكل الموجودات،ولا يعتريه التغير وهو ''الله '' حسب الفارابي.
تانياً :ممكن الوجود.
يمكن القول أن ممكن الوجود هو الموجودات لم تخلق بعد؛ولكن لديها قابلية بأن توجد،هذا ما يذهب إليه الفارابي بقوله (والأول هو الذي عنه وجد. ومتى وجد للأول الوجود الذي هو له)، ''أي هنا يتحدث عن الواجب الوجوب الذي تحدثنا عنه قبل ويجسده في '' الله '' ،تم يسترسل حديثه بالقول (ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو. فعلى هذه الجهة لا يكون وجود ما يوجد عنه سببا له يوجه من الوجوه، ولا على أنه غاية لوجود)(3) ،فإذا أردنا نحلل القول فيمكن القول أن كل الموجودات في الكون من سماء و أرض و بحار و أشجار والإنسان و حيوانات و غيرها ، تسمى " ممكنة الوجود" لأن وجودها ممكن بمعنى أنه ليس مستحيلا ، كما أن عدمها ممكن ، لأن وجودها ليس واجبا على واجب الوجود أي العلة الأولى، (الله) حسب الفارابي، فممكن الوجود هو عبارة عن الموجود الذي لا يوجد بذاته،وإنما احتاج إلى وجوده موجود آخر أي العلة الأولى،أو بمفهوم أدق القوة الخارجية لوجود هذا الموجود.
إذن نستنتج هنا أن ''الفارابي'' انطلق من دعامتين أساسيتين في تفسير ''نظرية الفيض'' وهي ''واجب الوجود '' ،و''ممكن الوجود ''، و سنحاول أن نتطرق إليها، لكن قبل أن نطرح إشكال الذي من خلاله يخول لنا الغوص في أفكار هاته النظرية، وهو كيف أتى هذا الوجود المتعدد وبه الكثرة من واحد ''الله' '؟
حاول الفارابي الإجابة عن هذا الإشكال بتفصيل لنظرية الفيض المنسوبة لأفلوطين،إذ صاغ الفارابي نظرية الفيض صياغة جديدة، عقلانية دينية، مع المحافظة على أهم مبادئها، إذ أصبحت العلاقة بين الواحد والكثرة و ، بالنسبة إلى الفارابي نقطة الدعامة الأولى للبناء الفلسفي بأكمله. إن الله (واجب الوجود) نشأ عنه فيض،وهذا الفيض هو العالم (الإمكان)، و الموجودات التي فاضت عن الله تريد العودة إلى مصدرها الأصلي، فهي في تنازل مستمر من حيث درجة الكمال، فكل موجود أقل مما فوقه، و أفضل مما تحته، وهكذا يستمر الكمال في التناقص حتى يتلاشى في نهاية المطاف عندما يصل الفيض عند المادة. (4)
يرى الفارابي علم الله ذاته ففاض عنه عقل أول،وهو بسيط واحد في جوهره، غير أن كثرة حدثت فيه بالعرض،وهذه الكثرة منه لا من الله.
إن هذا العقل الأول يعقل واجب الوجود (=الله) أي ''الممكن الوجود '' الأول(الموجودات) الذي خلقه ''واجب الوجود ''الله ،أو ( بلغة مبسطة بما أنه العقل الأول ينتج عن هذا الموجود عقل ثاني أي عقل الأول ما بعد العدم نتج لنا،الآن عقل ثاني أصبح لنا ''ممكن الوجود '' (العقل الأول والعقل الثاني)ومن حيث أنه يعقل ذاته،جرم فلكي نفسا وجسما. (هذا العقل عبارة عن جرم فلكي)ومن هذا العقل الثاني يصدر عقل آخر ثالث،وفلك آخر تحت الفلك الأعلى...(العقل الثالث عبارة عن فلك).. وهكذا يصدر من كل عقل،عقل جديد وجرم سماوي،مادة وصورة (= جسما ونفسا) إلى العقل العاشر،أو العقل الفعال الذي يبدع عالمنا الأرضي ، وهو يدرك العقل الأول فتفيض عنه النفوس البشرية، ويدرك كل العقول قبله فتفيض صور الأشياء، وعند إدراكه لذاته تفيض عنه العناصر التي تنشأ عنها الأشياء.
وترتيب ذلك كما يلي:
ــــــ عن الواجب (=الله) يصدر عقل أول.
ــــــ عن عقل الأول يصدر عقل ثاني وكرة السماء.
ــــــ عن عقل الثاني يصدر عقل ثالث وكرة وكواكب السماء.
ــــــ عن عقل الثالث يصدر عقل رابع وكرة وزحل.
ــــــ عن عقل الرابع يصدر عقل خامس وكرة ومشتري.
ــــــ عن عقل الخامس يصدر عقل سادس وكرة المريخ.
ــــــ عن عقل السادس يصدر عقل سابع وكرة شمس.
ــــــ عن عقل السابع يصدر عقل ثامن وكرة الزهرة.
ــــــ عن عقل الثامن يصدر عقل تاسع وكرة عطارد.
ــــــ عن عقل التاسع يصدر عقل العاشر (أو العقل الفعال) ومعه كرة القمر،وهذا العقل آخر العقول المفارقة،كما أن كرة القمر هي آخر الأجرام السماوية التي هي موجودات كاملة مطلقة،لا تعرف الكون والفساد ،أما الموجودات تحث القمر فليست كاملة،وبالتالي فهي وحدها عالم الكون الفساد.يقول الفارابي ''العقل الفعال فعله العناية بالحيوان الناطق والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال الذي للإنسان أن يبلغه وهو السعادة القصوى؛وذلك أن يصير الإنسان إلى العقل الفعال ''(5)
إن قول الفارابي بالفيض يجعلنا نتساءل هل يعتبر الفارابي العالم قديم أم محدث؟وهل إيجاده عن عدم محض كما ينص على ذلك الدين الإسلامي ؟
يتحدث الفارابي مع شيء من الغموض في محاولة مزج بين نظرية أرسطو في العقول الفلكية،والمادة والصورة،وفكرة الفيض عند أفلوطين ،فيرى العالم محدث لكن بدون سبق الزمن،أي بمعنى أنه قديم بالزمان،ولا كنه حادث في الوقوع،وإذا حاولنا بسط الفكرة فيمكن القول أن العالم أي ممكن الوجود (دائما نرجع إلى تقسيم)،هو قديم بالزمان أي أنه الموجود الذي لوجوده منطلق وهو واجب الوجود (الله)،وهو محدث أي حسب معجم لسان العرب الحَدِيثُ نقيضُ القديم والحُدُوث نقيضُ القُدْمةِ حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً،ولا يمكن أن يحدث الشيء من غيره دون حادثه (العلة الأولى)كما أخبرنا أنفاً (6).
إن الإسلاميين أرادوا أن يتهربوا من القول بقدم العالم على طريقة أرسطو وكذلك لم يكن في استطاعتهم عقلياًّ البرهنة على حدوث العالم ولهذا فقد اتجهوا إلى فكرة وسط بين الحدوث و القدم وهى فكرة الفيض أو الصدور والتواجد خارج الزمان ، ففعل الصدور ضروري قديم إذا مادام الواحد جواداً فياضاً فالصدور كذلك يكون دائماً مرتبطاً بهذه الخصوبة الغنية.(7)
وسؤال مطروح هنا هو كيف تكون هذا العالم الأرضي؟
يرى الفارابي أن العقل الفعال (=العقل العاشر) تصدر عنه أجسام الأرضية بواسطة الأفلاك:فمنه تفيض الصورة والهيولى،أي المادة،ومن امتزاجهما تتكون العناصر الأربعة (=الإسطقسات):الماء ــــــ الهواء ــــــ النار ــــــ والتراب،وهذه العناصر تتمازج وتتفاعل بتأثير الكواكب وحركتها، وبإشراف العقل الفعال.
وهكذا كلما تهيأ مزاج صالح،حصل فيه استعداد، فيفيض عليه العقل الفعال صورة تكون له بمثابة النفس ولذلك سمى هذا العقل (واهب الصورة)
بهذا الشكل تكونت المعادن والنباتات والحيوان والإنسان،فالموجودات في عالم السفلي،عالمنا الأرضي،تتدرج من الأدنى إلى الأعلى:من الجماد... إلى الإنسان.أما في العالم العلوي،عالم السموات والأفلاك فإن الموجودات فيه تندرج من الأعلى إلى الأدنى،من العقل الأول...إلى العقل العاشر وهو أقل العقول المفارقة مرتبة.
وبما أن الموجودات حسب الفارابي وجدت بالفيض،وبما أن أول الفيض حسب فرابي فيض من الله وهو ناتج عن علم الله،وعلم الله ضروري وقديم، فإن فيض العالم عنه فيض ضروري وقديم عنه.(8)
في ختام هذه الأسطر يمكن القول أن بعد المفكرين الإسلاميين يرجحون فشل الفارابي في محاولته التوفيقية بين ما أتى به الفكر اليوناني وبين طبيعة الفكر الإسلامي،فهذا الأخير طبيعته الميتافيزيقيا الإسلامية مؤمنة وهادفة،تتبع المنبع الأول وهو القرآن وسنة النبي،ولا تسمح بفصح الخوض في تصورات فوق طاقة العقل الإنساني وهو ما جعل الفكر الإسلامي يقف عقله إذا حق القول الآن في القرن الواحد العشرين من إعطاء أفكار جديدة كما كانت سائدة في القرون السابقة من شعر وأدب ونظريات فلكية،والعكس بالنسبة لميتافيزيقيا اليونانية رغم أن الثرات اليوناني يعتبر من مصادر تشكل الفكر الإسلامي وبالتالي كان لها دور تشكيل وفهم الميتافيزيقيا الإسلامية. قد تبدو لنا هاته النظرية نحن أبناء القرن الواحد والعشرين،غريبة كل الغرابة ومثيرة للعجب،غير أنه اجتهاد وبحث مكتف ننوه له بطبع استنادا للأفكار فلاسفة اليونان،يجب أن لا ننسى أن علماء تلك الحقبة كانوا يعتقدون أن الأرض مركز العالم،وأن الفكر القديم كان يتخيل عالما علويا تسكنه العقول المفارقة.
ـــــــــــــــــــــ
بقلم:سفيان الرتبي.
ــــــــــــــــ
المصادر:
(1) منذر الكوثر "فلسفة الفارابي،الله الوجود الإنسان"،دار الحكمة لندن،ط1، 2002.
(2) أبوناصر الفرابي، "آراء أهل المدينة الفاضلة"،دار المشرق،1987.
(3) أبو ناصر الفرابي، "آراء أهل المدينة الفاضلة"،المرجع السابق.
(4) أ.حميدي بوجلطية خيرة ،"الماهية و الوجود عند الفارابي"،كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعيةجامعة حسيبة بن بوعلي ألشلف.
(5) أبو نصر الفرابي ، "السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات"،وزارات الثرات القومي والثقافات،1964.
(6) "لسان العرب"،المجلد الثاني،باب الحاء،دار صادر بيروت.
(7) د. محمد علي أبو ريان، "تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام"،دار المعرفة الجامعية،1995، ط2.
(8) كتاب" الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات"،محمد عابد الجابري والأخرون،1967،ص116
ملحوظة:ليس من الضروري أن تعبر الأفكار بهذا المقال عن رأي الكاتب.
------------------------------------------------------------
تحميل ..