وسام عجنقي @wsam_ajnqy

2017-03-03 17:20:52 منشور معدل للعموم

قصة قصيرة هدية للكاتب هيثم شطورو

هذا الرجل أمره غريب، لا يبتسم و لا يتحدث، و لا يمرض و لا يصلي، و الأغرب من ذلك أنه يعيش في هذا الحي دون أن يدخن و أن يشرب الكحول. لا معلومة لأحد عنه غير أنه يرمي كل مساء فتات الخبز للطيور و القطط، حتى صاروا أبناءه غير البيولوجيين، و يتهافتون على منزله قبل كل غروب شمس. يعتبره البعض معتوها يتجنب الناس، و يرى البعض الآخر أن إنزواءه جيد، و ذلك ما يجب أن يعتمده الشخص ليبقى على قيد الحياة في وجود عنيف كهذا، وجود يؤذي الناس اللطيفة.

هذا الرجل أنهكته الوحدة و يفكر كثيرا في مطلقته، و ها قد ساورت مخيلته في هذه العشية صورتها، مثلما إرتسمت في ذهنه. تنهد و هو يقول في نفسه: "لو عشنا سويا و جاءت معي إلى هذا الحي لإحترقت، كان طلاقنا مغامرة مثل زواجنا، أين هي الآن و أين أنا ؟ تحاببنا لنتعذب، و تزوجنا لنفترق، سبعة أشهر عشناها زوجين و أربع سنوات مخطوبين ! أربع سنوات تعاقبت فيهم حكومات كثيرة، و مطبات إقتصادية بالجملة، و لم تكن كافية لزواج مخطوبين أنانيين. كلانا أناني، أنانيتها في سبيل حياة راقية و معقدة، و أنانيتي في سبيل حياة بسيطة و هادئة".

عادت به الذكرى إلى العاصمة، إلى المدينة العتيقة بالتحديد، إلى مقهى بذلك المكان الجميل، حيث كان ينتظر نافذتها المقابلة أن تفتح، و هو صابر على الحر و الذباب و تهافت الباعة الجوالين عليه. كان يقضي الساعات الطوال لعله يراها من خلال النافذة، لكن ذلك المقهى قد تم هدمه الآن بالكامل لتحل محله مبان جديدة عملاقة، تفطن إليها عند زيارته الأخيرة للعاصمة حيث حاول إستنشاق هواء الذكريات المنعش رغم علمه أنه لن يحظى بتلك الفرصة مجددا. و تتابعت في نفسه الذكريات تتابع الرسائل اليومية التي كانت تصله منها، هي الزميلة في الكلية ثم الصديقة ثم العشيقة ثم الزوجة ثم المطلقة، آه، كم كانت تحسن الكتابة في الشوق ! كانت رسائلها لهبا عاطفيا متواصلا. كانت هي تحسن اللغة الفرنسية على عكسه تماما، و كانت تتعمد إيذاء قلبه الرقيق بمراسلته بالفرنسية حتى ترهقه الترجمة.

لم يتم الزواج في العاصمة كما خططا في البداية، فلا ظروفه المادية سمحت بذلك، و لا ظروفها العائلية ساعدت. في نظر والديها لم يكن هو إلا لاجئا من اللاجئين النازحين من الأحياء الشعبية الفقيرة، و السمعة ترفض مصاهرة عائلة محترمة للاجئ لا ماضي له و لا مستقبل واضح ينتظره.

عندما تقدم لخطبتها من أبيها بعد إلحاح منها قال له الأب: "تأن حتى نتحقق من أمرها، أنت تعرف أنها مدللة، لقد إنفصلت عن خطيبها السابق بلا سبب".

التأني لم يكن شهرا في نظر الأب، بل كان مدى الحياة، فرجع إلى الحي و لم يكن في حسبانه أن تتمرد الفتاة على أبويها في يوم من الأيام، و تلتحق به إلى ذلك الحي النائي. لقد وصلته برقية منها تنبئه بالساعة التي سيحل فيها القطار إلى الولاية ليعترض سبيلها و يرشدها إلى منزله الكائن في قلعة يعيشها اللصوص و الخمارة، و الهباطة في الموانئ.

كانت الأسابيع الأولى في حياة العشيقين غراما محرقا ليس كمثله غرام و مع ذلك تأهب و إستعداد لإقامة حفل الزفاف. إشتغلت هي كاتبة في إحدى الشركات الخاصة، و إشتغل هو في إحدى المصالح العمومية، و بما يتقاضيانه إستطاعا تأثيث بيتهما في المدينة كما أحبا، و تهيئة حفل الزواج بإحكام. إختارا المدينة للهروب من أعين الناس، الذين سيلصقون بهم تهما كيدية بسبب بقاءهما مع بعض دون زواج.

لكنها كانت في أعماقها تتطلع من وراء هذا الزواج إلى حياة أنعم و أرفع، فقد كانت تأمل أن يصبح زوجها وزيرا أو في درجة تقارب ذلك. و هذا الطموح الجامح أشقاها و أشقاه، فلم يجد طريقة لإقناعها بأن الحياة الرائعة لكل الزوجين هي فيما يكون بينهما من ود و تفاهم، فجابهته بأنه خجول و خائف و طلبت منه أن تفتح بين يديه المجال لنيل أعلى المناصب. و كان فتح المجال عندها يتمثل في إقامة الحفلات الخمرية الساهرة في بيتها.

لم تمضي أيام كثيرة حتى كثر أصدقاء الزوجين الحبيبين، و صار بيتهما ملتقى لكل البرجوازية الإدارية في تونس، و عرف هو في تلك الفترة من حياته كثيرا من أنواع الخمور و الكحول و أسماءها و الفروق الدقيقة بين لون و لون، من المونياك خمسة نجوم إلى الشامبانيا السوداء و ما أشتق منها من أمزجة رفيعة. و رغم تفتحه إلا أنه وجد الضيق في هذه الجلسات، بينما بدت هي مرتاحة جدا و مغتبطة كل الإغتباط. فكان الضيوف يخبرونها بأن العاصمة هي الحضارة و التوق، و أن الأحياء الفقيرة لا تزال منغلقة على نفسها و على أصحابها، كان يسرها سماع ذلك، و يحزنه هو أن تصدق زوجته تلك الترهات.

بعد ذلك أخذت أسباب التفاهم تنمحي بسرعة مثل السعادة، و تحل محلها دواعي التنافر و التنابز. حتى وصل النقاش بينهما ذات يوم إلى ذروته، و أستعمل لفظ "طلاق". فإنكسر ذلك الشئ الذي لا يصلح بعد كسره، و إنتهت قصة رائعة البداية بنهاية مأساوية، مثل نهاية رحلة المهاجرين غير الشرعيين الحالمين بحياة جديدة، أدت بهم إلى عمق البحر المتوسط، فصدر حكم الطلاق.

ذاق هو بعد ذلك علقم الغيرة إثر إبتعاده عنها، و واصلت هي سهرات المجون مع هؤلاء الضيوف. فإتخذ من إطعام قطط الحي و الطيور شغلا دون أجر، و إنعزل عن الجيران و الأصدقاء، و عن الدولة و عن كوكب الأرض. ليصبح غريبا دون هوية، و جثة هامدة رغم إشتغال القلب و الأجهزة التنفسية، و إعتنى بأبناءه غير البيولوجيين.

تحميل ..