عبد اللطيف علوي @Aloui_Abdellatif

2017-03-14 20:29:48 للعموم

من رواية "الثقب الأسود"

كانت فدوى تجلس إلى جانبي ساعات، لا تظفر منّي سوى بكلمات قليلة، منقوعة في الصّمت الفسيح... في البداية كانت تسألني:

− فيم تفكّر؟

أجيبها:

− لا شيء...!

وتستمرّ ضاحكة:

− لا أحد يفكّر في اللاّشيء... هل تسخر منّي؟

− أنا أفكّر في اللاّشيء... ألا تصدّقين ذلك؟

− طبعا لا أصدّق؟ أنا لست مجنونة مثلك لأملأ عقلي باللاّشيء...

− لكنّه أمر لذيذ ... أنت لم تجرّبيه... لو جرّبته لوجدته الطّريقة المثلى لتنسي كلّ ما لا يعجبك، وتتغلّبي على كلّ المشاكل...

تقول ضائقة:

− أنت تلعب على الكلمات ليس إلاّ... سيظلّ دائما هناك شيء تفكّر فيه، حتّى ولو كان ضئيلا جدّا في قاع عقلك، يترسّب مثل حبيبات الرّمل الدّقيقة، يشغلك ويملأ تفكيرك...

أجيبها بتحدّ:

− حتّى حبيبات الرّمل أستطيع أن أتخلّص منها... أنا أستطيع أن أحوّل عقلي إلى غربال متى أشاء ... وأكثر من ذلك... أنا أستطيع أن أضيّق عيون هذا الغربال وأوسّعها كما أشاء، ومتى أشاء...

يغلبها عنادي فتصمت قليلا، ثمّ تعاود:

− ولماذا تفكّر في اللاّشيء؟ ما دمنا معا، وبإمكاننا أن نملأ عقولنا بأشياء كثيرة جميلة، نفكّر فيها معا...

أنظر في عينيها الصّافيتين كسماء أفريل، وأقول لها بصوت غائم:

− أنا أتدرّب ... لعلّ القدر يفاجئني بغير تلك الأشياء الجميلة... أفضل طريقة لمقاومة الأحزان هي أن لا تفكّري فيها أبدا، وكي يحدث ذلك، عليك أن تتعلّمي كيف تفرغين عقلك تماما... هل تريدين أن تجرّبي؟

تضحك بقلب واسع، وتقول لي:

− إلاّ هذه ... لا أستطيعها ... أنت تعرفني، عقلي ثرثار لا يكفّ عن النّبش في كلّ مزابل العالم...

ثمّ تردف ضاحكة بشقاوة قطّة برّيّة:

− حين نكبر ونتزوّج سنقتسم الأدوار... أنا أملأ، وأنت تفرغ... ما رأيك؟

نضحك ملء السّحاب والهضاب والوهاد، ثمّ نشابك بين يدينا ونمضي، كأنّ الوجود خلا من أيّ شيء سوانا...

#عبد_اللطيف_علوي

#الثقب_الأسود

تحميل ..